وتأتي هذه المحاولات لتصوير "الارتهان" لقرار العواصم الخارجية على أنه "ربط للقضية بالإطار الدولي"، في سعي حثيث لامتصاص غضب الشارع الجنوبي الذي يرى في تذويب مؤسساته الوطنية تراجعاً صريحاً عن المكتسبات التي تحققت بالدم، حيث يتم استخدام لغة عاطفية تدعي الوفاء للشهداء في ذات الوقت الذي تُسلب فيه سيادة القرار الجنوبي وتُمنح كخدمة مجانية لمشاريع إقليمية تسعى لإعادة هندسة الجنوب بما يخدم مصالحها لا تطلعات الشعب في استعادة دولته كاملة السيادة.
إن الحديث عن "رعاية كريمة" لما يسمى بالحوار الجنوبي في عواصم الخارج، في ظل أنباء عن فرض قيود على القيادات الجنوبية، يثير تساؤلات جدية حول مدى استقلالية هذا المسار، إذ تبدو هذه التحركات وكأنها محاولة لمصادرة "شرعية الميدان" واستبدالها بـ "شرعية الوصاية"، وهو ما يخدم بشكل غير مباشر مليشيا الحوثي التي تتربص بالجنوب، مستفيدة من حالة الإرباك السياسي وتفكيك الجبهة الداخلية الجنوبية التي ظلت عصية على الانكسار طوال السنوات الماضية.
وفي ظل هذه الضغوط، تُشن حملات إعلامية تطالب الجنوبيين بعدم الالتفات لـ "الشائعات"، وهي في الحقيقة دعوة للقبول بالأمر الواقع وتمرير التنازلات تحت مسميات "الشراكة الصادقة"، مما يضع القضية الجنوبية أمام خطر التصفية السياسية، حيث يتم استبدال الثوابت الوطنية بوعود دولية هشة لا تضمن حق الشعب في تقرير مصيره، بل تسعى لدمجه في قوالب سياسية تخدم استقراراً مؤقتاً على حساب الحقوق التاريخية والسيادية للجنوبيين وقادتهم الذين يواجهون تحدي الحفاظ على القرار المستقل.